الشيخ جواد بن عباس الكربلائي
145
الأنوار الساطعة في شرح زيارة الجامعة
فلا محالة يتوسل بالشفاعة في الأمرين فهذا مورد الشفاعة ، وهذا كما ترى لا يختص بملة خاصة ، بل هو عام يشمل جميع الملل الحقة والباطلة ، إلا أن الكلام فيما نحن فيه لا يقع إلا بالنسبة إلى الملة الحقة الإسلامية والإمامية . وأما الثاني ( أعني حقيقة الشفاعة ) : فتارة يقع فيها بلحاظ أصل معنى الشفاعة ، وأخرى في شرائط الشفيع ، وثالثة في شرائط المشفوع له فنقول : أما الأول : قال بعض الأعلام رحمهم الله الشفيع لا يطلب من المولى مثلا أن يبطل مولوية نفسه وعبودية عبده ، فلا يعاقبه ، ولا يطلب منه أن يرفع اليد عن حكمه وتكليفه المجعول ، أو ينسخه عموما ، أو في خصوص الواقعة فلا يعاقبه ، ولا يطلب منه أن يبطل قانون المجازات عموما أو خصوصا ، فلا يعاقب لذلك رأسا ، أو في خصوص الواقعة ، فلا نفوذ ولا تأثير للشفيع في مولوية وعبودية ، ولا في حكم ولا في جزاء حكم . بل الشفيع بعد ما يسلم جميع الجهات الثلاث المذكورة ، إنما يتمسك إما بصفات في المولى الحاكم توجب العفو والصفح كسؤدده وكرمه وسخائه وشرافة محتدة ، وإما بصفات في العبد تستدعي الرأفة والحنان ، وتثير عوامل المغفرة كمذلَّته ومسكنته وحقارته وسوء حاله ، وإما بصفات في نفسه أعني نفس الشفيع من قربه إلى المولى وكرامته وعلوّ منزلته عنده فيقول : ما أسألك إبطال مولويتك وعبوديته ، ولا أن تبطل حكمك ولا أن تبطل الجزاء ، بل أسألك الصفح عنه ، بأن لك سؤددا ورأفة وكرما ، وأنك لا تنتفع بعقابه ولا يضرّك الصفح عن ذنبه ، أو بأنه جاهل حقير مسكين لا يعتني مثلك بشأنه ، ولا يهتم بأمره ، أو بأن لي عندك من المنزلة والكرامة ما يوجب إسعاف حاجتي في تخليصه والعفو عنه ، انتهى موضع الحاجة . أقول : فيستفاد مما قاله إن الشفاعة هي التوسل بوسائل مثل الذي ذكر من الصفات في المولى ، أو في العبد المجرم ، أو في نفس الشفيع بنحو تكون هذه الوسائل حاكمة على الحكم الموجب للعقاب ، أو رفع الثواب مثلا بنحو لا يضاده ، بل يكون